خير الدين التونسي والطهطاوي، مسألة الحرية السياسية، عمر بوجليدة


    


الحرية بين الفقه والسياسة

لقد اتخذت الحرية في كل من "تخليص الإبريز " و "أقوم المسالك" حضورا مكثفا وإشعاعا قويا سواء من حيث تداول الكلمة ومتعلقاتها أو من حيث الاهتمام بمعانيها وأبعادها، فبدت للدارس شعارا للإصلاح في جميع وجوهه وشرطا ملازما لكل مراحله وأهدافه ولكن هذا الاستقطاب الجوهري يطرح أسئلة ملحة:

رفاعة الطهطاوي 

خير الدين التونسي


ما هي الخلفية التي جعلت الرجلين مهجوسين بهذا الموضوع، تحليلا وتأصيلا، وتنظيرا؟

وما العلاقة بين الحرية والتنظيم السياسي المنشود؟ وما العلاقة بينها وصلاح العمران؟ ثم ما مدى انسجام مفهوم الحرية لديهما والمرجعية الفلسفية الليبرالية التي هو سليلها المنطقي، من ناحية، والمرجعية الفقهية التي ينشد إليها الإطار الاجتماعي الذي يراد تنزيل الحرية فيه، من ناحية أخرى؟

1- الحرية بين الفقه والأخلاق:

يقول "ابن أبي الضياف" لذلك قالت حكماء الإفرنج - الرأي حر - ثم يعلق ولا يخفي أن الرق في نفسه غير قادح في الفطرة الإنسانية ولا ينافي أخلاق الكمال والدین، لأنه مصيبة نزلت من الحرية فيه أصل. ونفهم من التعليق أن المؤلف أول الجملة، كما يوضح "عبد الله العروي" الرأي حر، على معنى - الرأي للرجل الحر - والأمثلة التي تدل على عدم استيعاب مفهوم الحرية الأوروبية كثيرة وما يعنينا كون المجتمع العربي - الإسلامي كان لا يفهم من كلمة حرية ما تفهمه أوروبا الليبرالية.

إن كلمة حرية في اللغات الأوروبية كانت عادية لدى الغربيين في القرن التاسع عشر والمفهوم كان بديهيا إلى حد أنه لا يحتاج في الغالب إلى تعريف: أما علماء وفقهاء الإسلام فإنهم كانوا لا يستعلمون عادة الكلمة، التي تعرف رواجا، إلا كترجمة اصطلاحية للكلمة الأوروبية، وكانوا كذلك لا يتمثلون بسهولة ودقة مفهوم الحرية، فهل معنى ذلك أن كلمة حرية في اللسان العربي الحديث لا تعدو أن تكون ترجمة اصطلاحية لكلمة أوروبية تستعير منها كل معانيها دون أدنی ارتباط بجذرها العربي؟

تحمل مادة "حرر" أربعة معان متميزة:

الأول: معنى خلقي وهو الذي كان معروفا في الجاهلية وحافظ عليه الأدب، كأن نقرأ في اللسان: الحرة تعنيا الكريمة، يقال ناقة حرة ويقال ما هذا منك بحر أي بحسن

الثاني: معنی قانوني وهو المستعمل في القرآن مثلا تحرير رقبة مؤمنة (سورة النساء 92) أو نذرت لك ما في بطني محررا (آل عمران 35) وفي كتب الفقه مثلا: ولا يقتل حر بعبد ويقتل به العبد (رسالة القيرواني)

الثالث: معنى اجتماعي، وهو استعمال بعض متأخري المؤرخين: الحر هو المعفى من الضريبة

 الرابع: معنی صوفي: ذلك أن الجرجاني يوضح في تعريفاته أن "الحرية في اصطلاح أهل الحقيقة الخروج عن رق الكائنات وقطع جميع العلائق والأغيار وهي على مراتب"

ونستخرج من هذا العرض فائدتين: الأولى: أن الصيغة المألوفة هي الصفة ومشتقاتها:

حر، محرر، تحریر . أما المصدر الأصلي: حرية فإنه يستعمل للتمييز بين ما كان حرا من الولادة وبين ما كان عبدا ثم أعتق، في اللسان يقال "حر الرجل، حرية من حرية الأصل لا حرية العتق". والفائدة الثانية: هي أن المعاني الأربعة تدور حول الفرد وعلاقته مع غير ذاته، أكان ذلك الغير فردا يتحكم فيه من الخارج أو قوة طبيعية تستعبده من الداخل، وهكذا يحيلنا القاموس إلى بحالين يعبران عن النشاط الإنساني.

الفقه: الذي يحدد كيفية تعامل الإنسان مع الإنسان والأخلاق: التي تصف علاقة العقل بالنفس في ذات الإنسان. ويمكن أن نستنتج من هذا التحليل: أن اللغة: تعكس ثقافة مجتمع في حقبة من حقب التاريخ، فقد هدانا القاموس إلى ميدان الفقه من جهة والأخلاق من جهة ثانية. فالفقه يتعرض لمسألة حرية التصرف في أبواب معروفة تعالج مسائل الرق، والحجر... وكفالة المرأة... والطفل... ونتبين أن الفقه يربط مفهوم الحرية الشخصية بمفهوم المروءة، لا تكتمل إنسانية الإنسان إلا إذا أصبح قادرا على الانضباط القواعد وأوامر سماوية (-الطفل والمعتوه يسقط عنهم التكليف) (حريتهم واسعة، لكن إنسانيتهم ناقصة) والفقه لا يبرر الرق ولا وضعية المرأة الدونية، يسجل ذلك كواقع، لكن يسجل أيضا أن حالة العبد والمرأة تحلب نقصانا في العقل أي في المروءة، ولذلك تخفض من مسؤولية من لحقت به تلك الحالة: نلاحظ في كل الأحوال ترابطا بين الحرية والعقل والتكليف والمروءة.

إن المجتمع الذي يصوره لنا الفقه مجتمع بمجزأ إلى أحرار ورقيق: ينقسم فيه الأحرار إلى أكفاء ومحجورين والأكفاء إلى رجال ونساء والرجال إلى حكام ومحكومين، هذا سلم اجتماعي ينطلق من الأقل حرية وينتهي إلى الأكثر قدرة على التصرف شرعا، وفي نفس الوقت من الأقل إلى الأكثر مروءة وعقلا: فالحرية هي بالتعريف كما يقول "العروي"

الاتفاق مع ما يوحي به الشرع والعقل، والحرية حكم شرعي لكنه في نفس الوقت إثبات واقع: مدى قدرة الفرد على تحقيق العقل في حياته وهذا التطابق بين الشرع والعقل والحرية هو العدل الذي يقوم عليه الكون.

أما في مستوى الأخلاق فنطرح قضية الحرية من زاويتين الزاوية الأولى تشير إلى علاقة العقل بالنفس بالطبيعة بمعنى هل يستطيع العقل أن يتغلب على النفس ويغير ميولها الطبيعية؟

والزاوية الثانية: تطرح علاقة الإرادة الفردية بالمشيئة الإلهية بمعنى هل يمكن أن تعارض الأولى، الثانية؟ وأغلبية المسلمين اتخذوا في النهاية خطا وسطا عبرت عنه "الأشعرية". (أي الفقه والأخلاق) بعيدا كل البعد عن المفهوم الليبرالي الحديث في الغرب وهذا المفهوم عينه الذي تطلع إليه رواد الإصلاح باعتباره يربط بين الحرية والعقلانية والنظام السياسي والإداري: فكيف تمثل الطهطاوي وخير الدين هذه المرجعية الوافدة؟

*من كتاب موسوعة الفلسفة العربية المعاصرة( تحولات الخطاب من الجمود التاريخي إلى مآزق الثقافة والإيدلوجيا)

تعليقات